التكنولوجيا أم البيداغوجيا؟

مقالة علمية إعداد الدكتورة سحر باشا

      ترسيخ تكنولوجيا رقمية، تنمية مهارات تقنية، تطوير الكائنات الرقيمة، إستخدام بيئات تعلّم إفتراضية، رقمنة المناهج اللبنانية، مواكبة التحوّل الرقمي، تحدّيات إدارية وتقنية،…

   مصطلحات لطالما استخدمناها بكثرة منذ بداية الأزمة الصحّية وانتشار Covid-19، مصطلحات ظهرت في السبعينات والتي بدأ الحديث عنها وصناعة الإنجازات فيها. علينا أن لا نقلّل من أهميتها نظرًا للأبحاث، التقنيات، والبرمجيات المتتالية ما قبل، أثناء، وما بعد الأزمة أيضًا. 

    لكن هذه الأزمة كشفت هشاشة التعليم في لبنان إن كان حضوريًا أو عن بعد، وعجزه عن اتخاذ تدابير وإجراءات أمام كارثة وبائية أطاحت بالجانب التربوي، وهي ليست الأولى ولا الأخيرة فهي أمامنا وليست خلفنا.

    تسارعت وتهافتت المؤسسات التعليمية (الخاصة منها والعامة) لاعتماد التعليم عن بعد كتدبير وقائي ضد تفشي الوباء، واتُّخذ التعليم عن بعد كمسكّن لفترة محدودة لاستمرارية العملية التعليمية – التعلّمية نسبيًا بغض النظرعن نتائجه ولم يُتّخذ كعلاج مناسب لتنمية المهارات. ومن الصعب تصوّر العودة إلى النموذج السابق دون دخول التكنولوجيا في التعليم. وكلّما نرى تسارع في خطوات التكنولوجيا والذي يزيد الأنظمة التربوية حيرةً ورهبةً منها حيث وُضعت أمام تحدّيات ومتغيّرات غير مسبوقة، ما خلق أزمة بيداغوجية.

التعلم عن بعد والتكنولوجيا، المعلّم، الأسرة، المتعلّم

    فالإطار الذي يجري فيه التعلّم عن بعد كما يبدو واضحًا ليس إطارًا بيداغوجيًا يرمي إلى تحقيق الأهداف العامة المتوخاة وتطوير مناهج التعليم، إنّما جاء استجابة مكثّفة ومستعجلة لمتغيرات طارئة وللحاجة إلى توظيف التكنولوجيا الحديثة في سوق التعليم وليس لمنطق بيداغوجي هدفه التربية والتعليم.

   فالمشهد مؤلم في لبنان عندما نجد المعلّم (البيداغوجي) وحيدًا يتخبّط ويحترق نفسيًا ويبذل جهودًا مضاعفة لاستيعاب خصائص هذا العصر محاولًا تكييف دوره مع الأساليب الحديثة وزيادة مهاراته كي يبقى على نفس الوتيرة من المتعلمين وألّا يشعر بأنّ زمانه من غير زمانهم ولتحقيق التطوّر والتقدّم الأقصى. ففي التعليم الحضوري، تتم العلاقة بين المعلّم والمتعلّم من خلال وساطة بيداغوجية – تفاعلية مباشرة مصحوبة بالمعالجة البيداغوجية أمّا في التعليم عن بعد فتتم العلاقة من خلال التكنولوجيا كوساطة بيداغوجية ولم يعد المعلم مرجعًا لطلابه أو حتى أن يلعب دور الوسيط البيداغوجي.

كما لا يمكن نفي الدور الذي تلعبه التكنولوجيا في تطوير المادة التعليمية والإستراتيجيات والوسائل الديداكتيكية لكن لا يمكن إنتاج التفاعل البيداغوجي بين المعلم والمتعلم وضمان نجاحه أو حتى إثارة دافعيته الداخلية وتحفيزه ولا يمكن فهم الإحتياجات المتنوعة لمختلف الطلاب لأخذها بعين الإعتبار أثناء التخطيط.

    وفي المقلب الآخر، ازدادت أعباء الأسرة خلال هذه الأزمة. فالأسرة تُعتبر الركيزة الأساس في تكوين هويّة المتعلمين . فقد لعبت الأسر أدوارًا عديدة؛ دور لوجستي في إعداد نظام للمنزل وتأمين المكان الدراسي، توفير الإنترنت، والكهرباء، ودور تربوي لمتابعة أبنائهم أكاديميًا ومعرفة كيفية التعامل مع نماذج مختلفة من الذكاءات في المنزل الواحد، أو للتعامل مع ذوي الإحتياجات الخاصة، والدور التكنولوجي كالتدرّب على بعض التقنيات والتطبيقات والمنصات الإلكترونية لمواكبة أبنائهم. فكيف إذا كانت تطغى الإضطرابات في حياة العديد من الأسر نظرًا للوضع الإقتصادي، المادي، الثقافي، التربوي، الإجتماعي المتدني وإنّ انعدام التكافؤ في تحصيل التعليم الصحيح وإيصال المعرفة؟ لذا كل هذا سوف يؤثر سلبًا على  البيداغوجيا وسيشكّل عقبات أمام تحقيق الأهداف التربوية المطلوبة.

   أمّا بالنسبة لمحور العملية التعليمية-التعلّمية “المتعلّم”؛ على ماذا سوف يركّز؟ على التدرّب على التكنولوجيا أم على اكتساب المعارف والمهارات؟ نذكر بعض المشكلات في الفضاء الإلكتروني لناحية المتعلمين؛ فالمتعلمين غير مدرّبين بشكل متين على استخدام التقنيات الحديثة في التعلّم ولم يتم تنمية مهاراتهم التكنولوجية التربوية كما يظهرلي من خلال تجربتي الشخصية، قلّة حس المسؤولية والتعلم الذاتي المستقل الذي بات مؤشرًا حقيقيًا على نجاح التربية، ضعف الدوافع الخارجية من عمليات تقويم للأداء و التركيز على الدوافع الداخلية التي يكون مصدرها المتعلم نفسه حيث تُعتبر شرطًا أساسيًا للتعلم الذاتي (والتي لم يكتسبها كمهارة بعد)، وإضافةً إلى عدم القدرة على المراقبة والضبط في استخدام البيئة الإفتراضية، والقدر الكبير من المشتتات.

 التواصل البيداغوجي هو عملية متبادلة بين المعلّم والمتعلّم

وإذا كان الأمر كذلك، فما هو الأساس البيداغوجي للتعليم عن بعد؟ ما هي أساسات اعتماد التعليم عن بعد كمنهج لنقل المعارف والمهارات من المتعلّم إلى المتعلّم؟ وماذا عن عقبات التعليم عن بعد؟

  هل بيداغوجيا التربية متمثّلة بالأهداف العامة التي ننتهجها في التعليم الحضوري لكي نبحث في بيداغوجيا التعليم عن بعد كمنهج؟

ماذا لو تم التركيز من قبل على هذه العقبات التي أصبحت مشكلات التعليم عن بعد؟ ماذا لو طبّقنا الأهداف العامة المذكورة في المناهج اللبنانية أثناء التعليم الحضوري؟ هل سنصل إلى اللامبالاة بالتعليم عن بعد والإستهتار بمجهود المعلّم؟ هل كانت نمت استراتيجية التعلّم الذاتي لدى المتعلّمين ولم نعاني من هذا الواقع المرير؟

  إنّ الأهداف العامة التربوية في لبنان تركزّت على ” تكوين المواطن”: المدرك أهمية العيش المشترك بين المواطنين، المستوعب تاريخه الوطني اللبناني الجامع بعيدًا عن الفئوية الضيّقة، المحترم للحرّيات الشخصية والعامة، المتفاعل مع أبناء الوطن بقصد الوصول إلى مجتمع ديمقراطي، العامل على تنمية رصيده الثقافي والتكنولوجي، القادر من خلال العملية التربوية، والإرشاد والتوجيه على الإختيار الحر لمهنة المستقبلوالإرتقاء بها عن طريق التعلّم الذاتي، المدرك أهمية الإستعانة بالتكنولوجيا وتطويرها والتفاعل معها، المحافظ على البيئة الطبيعية والعامل على وقايتها وصيانتها،…

بحسب ما نقرأ في المناهج الجديدة، وبحسب ما نشهده في واقعنا اللبناني إختلاف جذري بين ما دُوّن في الصفحات وما تُرجم على أرض الواقع؛ التعصّب الطائفي، إلغاء التعلّم التشاركي خلال الأزمة، التلوّث البيئي، عدم إحترام القوانين والأنظمة، الفساد التربوي، المالي، السياسي، الديني الذي جُبل الشعب به، الإستستهار بالتعليم والمعلّم والتقليل من شأنه، التسرّب، الجهل، التخلّف وانعدام الطموح وشغف الإستكشاف والبحث، الركود الثقافي والتكنزلوجي، الإتكالية واللامبالاة،…

فإذا كان التعليم الحضوري لم يستطع تحقيق الأهداف التربوية ولا حتى في تحقيق بعض معايير البيداغوجيا المطلوبة: “السياقية وربط التعلّم مع حياة الطلاب”، فهل للتعلّم عن بعد أن يعمل على إحياء المناهج وهي رميم؟ ، ثم نسأل هل التكنولوجيا سوف تسعى إلى تحقيق البيداغوجيا المطلوبة؟

التعليم عن بعد هو مستقبل التعليم ولكن لا يمكن الإتكاء عليه ما دام البناء مفكك ومتصدّع، إنّما يمكن اعتماده ضمن هيكلية منظمة متكاملة بدءًا من التطبيق الفعلي لأهداف التربية مع التطوير اللازم والضروري له والنابعة من إحتياجات المتعلمين والتدريب الحقيقي والمستمر لكل الفئات من إداريين، معلمين، أهل، ومتعلمين من كافة الأعمار وتنمية معلّم المستقبل من خلال التدريب الخاص على نموذج TPACK – إطار مفاهيمي للمعرفة المطلوبة من قبل المعلّم لدمج التكنولوجيا بصورة فعّالة (Mishra & Koeler, 2008)، والتي لها الآثار الإيجابية في كافة مجالات الحياة ويساعد على فهم أنواع المعرفة المطلوبة من قبل المعلّم للقيام بممارسات تربوية فعّالة في بيئة تعلّم (حضوري، أو عن بعد) مدعّمة بالتكنولوجيا؛ أمّا أنواع المعرفة فهي: المعرفة التكنولوجية (TK) (الإطلاع على جميع التقنيات  المستحدثة)، المعرفة التربوية (PK) (النظريات وأهداف عامة، الإستراتيجيات، طرق تعليم)، ومعرفة المحتوى (CK) (كفايات، حقائق،..). فإنّ معرفة التكنولوجيا، والبيداغوجيا والمحتوى المعرفي (TPACK) يؤدي لتعليم حقيقي ذو مغزى تترابط وتندمج فيه كل المكوّنات إنسجامًا مع متطلبات العصر. إضافة إلى تجهيز البنى التحتيتة التكنولوجية، وتخصيص ميزانيات كافية لأي معضلة قادمة في المستقبل.

الكلمات المفتاحية: التكنولوجيا، البيداغوجيا، الأهداف العامة للمناهج، التعليم عن بعد، نموذج TPACK.

Add a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *