البحث العلمي المحكم :العناية بعلم الـمَغازي وكتابته في الصدر الأول للإسلام الجزء الثاني

  • الجزء الثاني: (عناية التابعين وتابعيهم إلى اكتمال مرحلة التصنيف)

المبحث السابع: عناية كبار التابعين
بالسيرة والـمَغازي

لقد رأينا مما مر معنا في المباحث السابقة من الجزء الأول كيف كانت عناية واهتمام
الصحابة الكرام رضي الله عنهم بعلم المغازي، وكيف أدوه على أحسن أداء، وباتقان
وإخلاص، وها نحن الآن ننتقل إلى المراحل التي تلت زمن الصحاية إلى من تبعهم، ثم
إلى من بعدهم من أتباع التابعين، الذين صانوا الأمانة وخدموا هذا العلم أيما خدمة
حتى وصل إلينا بأبهى صورة، وأجمل وأتقن أداء، ومن هنا يتأكد لنا مما مر معنا من
آثار أن الاهتمام بالسيرة والـمَغازي وتدوينها لم يكن أمراً مستحدثاً على أبناء
الصحابة والتابعين الذين برزوا في هذا الفن، بل كان امتداداً للعناية التي أولاها
الصحابة رضوان الله عليهم، الذين كما مر معنا آنفاً كانوا يخصِّصون لذلك المجالس
والدروس والحديث عنها، ويوصون أبناءهم بتناقلها وعدم إهمالها، الأمر الذي انعكس
جداً واجتهاداً على التابعين فكثرت متابعتهم لمروياتها حتى بلغ من تعمق أهل العلم
واستيعابهم له أن قالوا: “في علم الـمَغازي علم الآخرة”. (مر معنا
سابقاً) الأمر الذي يُظهر لنا مدى أهمية هذا العلم عند التابعين. كما تعطينا دراسة
الـمَغازي جزءاً هاماً من دراسة نشأة الدولة الإسلامية، والأحكام التطبيقية للسلم
والحرب عند المسلمين، كسبب رئيس، وهو الذي جعل التابعين يهتمون به، فيؤلفون فيه
المصنفات والكتب على شتى ألوانها، ويبوبونها بحسب مواضيعها، ويحددون له أطره الذي
يجب أن تحتذى وتتبع.

1) تطور علم
المغازي زمن كبار التابعين:

ومما يشد الانتباه هنا أنه لم يقتصر
دور التابعين على نقل ما سمعوه من الصحابةحيث يتحدث الواحد منهم عن مآثره في
الغزوات، أو ما شاهده، أو أبنائهم، أو قرؤوه في صحفهم مفرَّقاً فيؤدّونه كما
سمعوه، بل طوَّروا هذا العلم، وأصّلوه، ونظّموا الكتابة فيه ضمن أطره الموضوعية،
والتسلسلية الزمنية للأحداث، فجمعوا كل ما يتعلَّق بالحدث الواحد في موضع واحد، متصل
مع بعضه البعض، فكانت لهم جودة في التصنيف، حيث أعادوا ترتيب نقل الحوادث
والمشاهد، مع جمع كل ما ورد حول الموضوع الواحد من طرق مختلفة، ووضعوها ضمن مبحث
متكامل لها، بالتسلسل الزمني، في حين أنهم ذكروا من شارك فيها بدقة اعتماداً على
ما سمعوه من الصحابة أنفسهم في ذلك، أو على الأبناء، أوعلى ما وجدوه مكتوباً في
صحفهم، فنقلوه ورتَّبوه وربما علَّقوا عليه وأعطوا رأيهم في الترجيح بين روايتين،
أحياناً كثيرة حين جمعوا الخبر عن أكثر من واحد، ومن طرق شتى، الأمر الذي أغنى
الرواية ومكن من الإحاطة بالخبر بشكل أكبر، وغطى جل ما أحاط به، كما علماً أن تعدُّد
طُرُق الرواية أحياناً يرفع من مستوى قوَّتها وتوثيقها. ومما يعكس صورة هذا
الاتقان والدقة والبراعة في التلقي والأداء، ما رواه أبو يوسف بسنده: أَنَّ
عَامِرًا الشعبي، كَانَ يُحَدِّثُ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا، عَنْ مَغَازِي النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ
ابْنُ عُمَرَ: «إِنَّهُ لَيُحَدِّثُ حَدِيثًا كَأَنَّهُ شَهِدَ الْقَوْمَ» ([1]). 2) أبرز كبار التابعين: وكان من أبرز
كبار التابعين الذين اهتموا كثيراً بالـمَغازي وتدوينها، في زمن مبكر عروة بن
الزبير
(ت92هـ/712م) الذي جمع في علمه علوم عدد من كبار وخيار الصحابة، وخاصة
خالته أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، ورَوَى عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ،
وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي سَعِيدٍ
الْخُدْرِيِّ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي
هُرَيْرَةَ، وَسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ،
وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَمَيْمُونَةَ وَغَيْرِهِمْ ([2]).
“وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ فَقِيهًا عَالِمًا حَافِظًا ثَبَتًا
حُجَّةً عَالِمًا بِالسِّيَرِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الْمَغَازِيَ، وَكَانَ
مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ الْمَعْدُودِينَ، وَلَقَدْ كَانَ أَصْحَابِ رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَهُ ([3]).
“وشملت اهتمامات عروة العلمية دراسة الأحداث المتعلقة بجمع نواحي حياة النبي صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخاصة والعامة، أي الـمَغازي والسيرة” ([4]).
وقد كتب كتاب “مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم” وقد ذكر ابن النديم
أن له كتاباً، ([5]).
ثم تبعه في ذلك تلميذاه: موسى بن عقبة، ومحمد بن شهاب الزهري، كما سيأتي بيانه.
وعروة وتلميذاه من الأوائل الذين صنفوا في الـمَغازي. “وقد شملت رواياته عن
عروة نشأة الجماعة الإسلامية ونموّها في عصر الرسالة والراشدين” ([6]). وقد
كان لعروة دور هام في إرساء قواعد الكتابة في السيرة والمغازي، من خلال المكاتبات
التي كانت تتم بينه وبين الخلفاء والأمراء والعلماء، إضافة إلى التميز الملحوظ في
التفاصيل والتعليقات العلمية الهامة التي شكلت أساساً هاماً استفاد منه من جاء من
بعده من أهل السيرة والـمَغازي كابن إسحاق والواقدي بشكل خاص، وغيرهما بشكل عام.وقد قام
باستخراج ما روي عن عروة في المغازي، الدكتور
محمد مصطفى الأعظمي، في كتاب سماه: “مغازي عروة بن الزبير” وكذلك الدكتورة
سلوى مرسي الطاهر، في كتاب سمته “عروة
بن الزبير أول سيرة في الإسلام”. وسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ بْنِ حَزْنٍ
(ت94هـ/712م)، الذي وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ خِلاَفَةِ عُمَرَ،  وأدرك جمعاً من كبار الصحابة والتقى بهم وسمع
منهم، وروى عنهم مثلزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَجَالِسَ سَعْدَ بْنَ أَبِي
وَقَّاصٍ الذي شدد على ضرورة تعلم المغازي، وَابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ عُمَرَ، وَدَخَلَ
عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ : عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَكَانَ قَدْ سَمِعَ
مِنَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَلِيٍّ، وَصُهَيْبٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ
مَسْلَمَةَ، وَجُلُّ رِوَايَتِهِ الْمُسْنَدَةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَكَانَ
زَوْجُ ابْنَتِهِ، وكان له دور هام في تأصيل علم الـمَغازي وتاريخ الخلفاء، وقد
اجتمع جلها عند تلميذه الإمام الزهري الذي لازمه سنوات من حياته وأخذها عنه ([7]).
واستفاد الزهري منه كثيراً في ميادينه المختلفة والتي شكلت السيرة والـمَغازي
والفتوح جزءاً هاماً منها، نقل عنه الكثير من المؤرخين، وأبرزهم الإمام الواقدي
الذي نقل عن طريق تلميذيه معمر ومحمد بن عبد الله أخي الزهري ([8]).   ومنهم أبان بن عثمان بن عفان
(ت105ه/723م) الذي برز في هذا الحقل في المدينة المنورة، وقد كانت صحفه التي يكتب
فيها السيرة تُقرأ على تلاميذه ومن يتلقون عنه، وكان وليَ إمرةَ المدينة لعبد
الملك بن مروان سبع سنين ([9]).
وتدل سياقات روايات أبان بن عثمان على أنه كانت له مدونات في الـمَغازي، حيث أتم
كتابه في السيرة والمغازي قبل سنة (83ه) وقد أثبت ذلك ابن سعد من خلال ترجمته
لتلميذه المغيرة بن عبد الرحمن (ت 180ه/796م) بقوله: “وَكَانَ ثِقَةً قَلِيلَ
الْحَدِيثِ إِلّا مَغَازِيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا
مِنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، فَكَانَ كَثِيرًا مَا تُقْرَأُ عَلَيْهِ،
وَيَأْمُرُنَا بِتَعْلِيمِهَا” ([10]).   وعامر بن شراحيل الشعبي الكوفي
(ت105ه/723م) وَقَدْ رَأَى عَامِرٌ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَوَصَفَهُ ،
وَرَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَدِيِّ بْنِ
حَاتِمٍ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، وَعَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ
بْنِ يَزِيدَ الأَنْصَارِيِّ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَالْبَرَاءِ بْنِ
عَازِبٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَابْنِ أَبِي أَوْفَى، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ،
وَأَبِي جُحَيْفَةَ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ،
وَبُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ، وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَالأَشْعَثِ بْنِ
قَيْسٍ، وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَبْدِ
اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَجَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ، وَوَهْبِ بْنِ خَنْبَشٍ الطَّائِيِّ، وَحُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ
السَّلُولِيِّ . وَعَامِرِ بْنِ شَهْرٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ صَيْفِيٍّ، وَعَبْدِ
اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ، وَفَاطِمَةَ
بِنْتِ قَيْسٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، وَعَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ،
وَفَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ الأَشْجَعِيِّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى،
وَالْحَارِثِ الأَعْوَرِ، وَزُهَيْرِ بْنِ الْقَيْنِ، وَعَوْفِ بْنِ عَامِرٍ،
وَالأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، وَسَعِيدِ بْنِ ذِي لَعْوَةَ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبِي ثَابِتٍ أَيْمَنَ الَّذِي رَوَى عَنْ يَعْلَى بْنِ
مُرَّةَ ([11]).
وهو الذي كان يحدث الناس بالـمَغازي وقد شهد له ابن عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، حين
مر على مجلسه وحضره وسمع منه، فيما مر معنا من رواية أبي يوسف بسنده، فَقَالَ
ابْنُ عُمَرَ: «إِنَّهُ لَيُحَدِّثُ حَدِيثًا كَأَنَّهُ شَهِدَ الْقَوْمَ» ([12]).
وفي رواية: قال: لقد شهدت القوم فلهو أحفظ لها وأعلم بها” ([13]).
وكان يشدد على تلاميذه في الكتابة فيقَولَ لهم: اكْتُبُوا مَا سَمِعْتُمْ مِنِّي،
وَلَوْ فِي الْجِدَارِ ([14]).

المبحث الثامن: دور صغار التابعين

ولا
يقل أهمية هنا عما قام به الأوائل دور أولئك الذين تألَّقوا في خدمة السنة والسيرة
والـمَغازي، الذين هم صغار التابعين، حيث جاء دورهم في مرحلة ما يُسَمّى بالتصنيف
الرّسمي على رأس المائة الهجرية، وتُوّج ذلك بأمر الخليفة عُمَرُ بْنُ عَبْدِ
الْعَزِيزِ، (ت 101 ه/720م) بكتابة العلم في زمانه بالتصنيف الرسمي، وَكَتَبَ
إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: «انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاكْتُبْهُ فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ. ([15])،
وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ، وَلاَ تَقْبَلْ إِلاَّ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلْتُفْشُوا الْعِلْمَ وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ
لاَ يَعْلَمُ فَإِنَّ الْعِلْمَ لاَ يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا» ([16]). وكان
برز في هذه المرحلة جمع كبير من أهل العلم، منهم وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ
110ه/ 727م) وله كتاب “المغازي” توجد قطعة منه في مدينة (هيدلبرغ بألمانيا).وعَاصِمُ بنُ عُمَرَ بنِ قَتَادَةَ بنِ النُّعْمَانِ
الظَّفَرِيُّ
(ت 120ه/737م) كان جده قتادة من كبار أصحاب رسول
الله صلّى الله عليه وسلّم، وروى عمر بن قتادة المغازي والأخبار عن أبيه، ورواها
عنه ابنه عاصم، “وكَانَتْ لعاصم رِوَايَةٌ لِلْعِلْمِ، وَعِلْمٌ
بِالسِّيرَةِ، وَمَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
وَرَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ،
وَكَانَ ثِقَةً كَثِيرَ الْحَدِيثِ عَالِمًا” ([17]). وروى
عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ، وَمَحْمُوْدِ بنِ لَبِيْدٍ، وَرُمَيْثَةَ
الصَّحَابِيَّةِ وَهِيَ جَدَّتُهُ وَأَنَسِ بنِ مَالِكٍ. حَدَّثَ عَنْهُ: بُكَيْرُ
بنُ الأَشَجِّ، وَابْنُ عَجْلاَنَ، وَابْنُ إِسْحَاقَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ
سُلَيْمَانَ بنِ الغَسِيْلِ، وَجَمَاعَةٌ. وَثَّقَهُ: أَبُو زُرْعَةَ، وَالنَّسَائِيُّ،
وَغَيْرُهُمَا. وَكَانَ عَارِفاً بِالـمَغازي، يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ابْنُ
إِسْحَاقَ كَثِيْراً ([18]).  وَوَفَدَ
عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي خِلَافَتِهِ فِي
دَيْنٍ لَزِمَهُ فَقَضَاهُ عَنْهُ عُمَرُ وَأَمَرَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَعُونَةٍ
وَأَمَرَهُ أَنْ يَجْلِسَ فِي جَامِعِ دِمَشْقَ فَيُحَدِّثَ النَّاسَ بِمَغَازِي
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنَاقِبِ أَصْحَابِهِ،
فَفَعَلَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى تُوُفِّيَ
سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فِي خِلَافَةِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ([19])ومنهم الإمام المبدع محمد بن مسلم بن شهاب الزهري
124ه/741م) الذي صنف رواياته بأسلوبه العلمي الفذ الجديد المتكامل، كيف لا
“وقد حمل معظم أخبار الـمَغازي عن أربعة من بحور العلم: سعيد بن المسيب وعروة
بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وأبي سلمة بن عبد الرحمن،
وهؤلاء من كبار التابعين من علماء المدينة الذين هم بدورهم تلقّوا أخبار الـمَغازي
عن صحابة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بشكل مباشر، إضافة إلى أنه
أدرك بعض صغار الصحابة، وأخذ بعض الروايات عنهم كأنس بن مالك رَضِيَ اللهُ عَنْهُ،
” وبهذا يكون سنده عالياً جداً مما يزيد رواياته قوة” ([20]).
صرح عن كثرة مدوناته تلميذه معمر بقوله: ” كُنَّا نَرَى أَنَّا قَدْ
أَكْثَرْنَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَتَّى قُتِلَ الْوَلِيدُ، فَإِذَا الدَّفَاتِرُ
قَدْ حُمِلَتْ عَلَى الدَّوَابِّ مِنْ خِزَانَتِهِ، يَقُولُ: مِنْ عِلْمِ
الزُّهْرِيِّ”([21]).
وقد استقطب عبدالرزاق في مصنفه جل مرويات الزهري، استخرجها الدكتور سهيل زكار في
كتاب سماه “المغازي النبوية” ولكن هذا الكتاب لم يكن إسماً على مسمى حيث
تضمن مواضيع كثيرة أغلبها ليست من المغازي، بل يرجع بعضها إلى زمن حفر زمزم وهو ما
ابتدأ به، كما تضمن أخبار بعض الفتوح، كما وليس فيه نظام تسلسلي للأحداث ([22]).بينما كتب الدكتور محمد العواجي رسالة دكتوراه بعنوان “مرويات الإمام
الزهري في المغازي”، وقد جمعها ونسقها تنسيقاً أجاد فيه وأفاد، وذكر فيها
روايات هامة في تفاصيل المغازي والسرايا ([23]). وعبد الله بن أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمرو بن حَزْمٍ الأنصاري

135ه/752م) وأبوه أبو بكر كان قاضي المدينة، وواليها، وهو أول من دوّن الحديث بأمر
عمر بن عبد العزيز أو من أوائلهم، فقد نشأ إذاً في بيت علم ورواية،بالمدينة،
وَقَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَكَانَتْ لِآلِ
حَزْمٍ حَلْقَةٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَ ثِقَةً كَثِيرَ الْحَدِيثِ عَالِماً ([24]).  وقد روي عن عبد الله أخبار كثيرة ذكرها ابن
إسحاق، والواقدي، وابن سعد، والطبري. وَمُوْسَى بنُ عُقْبَةَ
141ه/759م) وَعِدَادُهُ فِي صِغَارِ التَّابِعِيْنَ. أَدْرَكَ: ابْنَ عُمَرَ،
وَجَابِراً، وأنس بن مالك، وسهل
بن سعد، وَحَدَّثَ عَنْ: أُمِّ خَالِدٍ، وعن جمع من التابعين مثل: َعَلْقَمَةَ بنِ
وَقَّاصٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ، وَكُرَيْبٍ، وَسَالِمِ بنِ عَبْدِ اللهِ، وَعَبْدِ
الرَّحْمَنِ بنِ هُرْمُزَ الأَعْرَجِ، وَنَافِعِ بنِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ،
وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَصَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، وَعُرْوَةَ بنِ
الزُّبَيْرِ، وَعِكْرِمَةَ، وَابْنِ الـمُنْكَدِرِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَأَبِي
الزُّبَيْرِ، وَسَالِمٍ أَبِي الغَيْثِ، وَعَبْدِ اللهِ بنِ دِيْنَارٍ،
وَمُحَمَّدِ بنِ يَحْيَى بنِ حَبَّانَ، وَحَمْزَةَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ،
وَأَبِي الزِّنَادِ، وَمُحَمَّدِ بنِ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيِّ، وَخَلْقٍ
سِوَاهُم ([25]).  قَالَ
عنه الوَاقِدِيُّ: كَانَ لإِبْرَاهِيْمَ، وَمُوْسَى، وَمُحَمَّدِ بَنِي عُقْبَةَ
حَلْقَةٌ فِي مَسْجِدِ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانُوا
كُلُّهم فُقَهَاءَ مُحَدِّثِيْنَ، وَكَانَ مُوْسَى يُفْتِي. وَقَالَ مُصْعَبُ بنُ
عَبْدِ اللهِ الزُّبَيْرِيُّ: كَانَ لَهُم هَيْئَةٌ، وَعِلمٌ ([26]).  وَقال الذهبي عن مغازيه: كَانَ بَصِيْراً بِالـمَغازي
النَّبويَّةِ، أَلَّفَهَا فِي مُجَلَّدٍ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ صَنَّفَ فِي
ذَلِكَ. وكَانَ مَالكٌ إِذَا قِيْلَ لَهُ: مَغَازِي مَنْ نَكْتُبُ؟ قَالَ:
عَلَيْكُم بِـ “مَغَازِي مُوْسَى بنِ عُقْبَةَ”، فَإِنَّهُ ثِقَةٌ. وكَانَ
مَالِكٌ إِذَا سُئِلَ عَنِ الـمَغازي؟ قَالَ: عَلَيْكَ بِـ “مَغَازِي”
الرَّجُلِ الصَّالِحِ مُوْسَى بنِ عُقْبَةَ، فَإِنَّهَا أَصَحُّ الـمَغازي.  وَقَالَ أَيْضاً: عَلَيْكُم بِـ “مَغَازِي
مُوْسَى”، فَإِنَّهُ رَجُلٌ ثِقَةٌ، طَلبهَا عَلَى كِبَرِ السِّنِّ، لِيُقَيِّدَ
مَنْ شَهِدَ مَعَ رَسُول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُكثِّرْ
كَمَا كَثَّرَ غَيْرُهُ. قال الذهبي: وَأَمَّا “مَغَازِي مُوْسَى بنِ
عُقْبَةَ”: فَهِي فِي مُجَلَّدٍ لَيْسَ بِالكَبِيْرِ، سَمِعنَاهَا،
وَغَالِبُهَا صَحِيْحٌ، وَمُرْسَلٌ جَيِّدٌ، لَكِنَّهَا مُخْتَصَرَةٌ، تَحْتَاجُ
إِلَى زِيَادَةِ بَيَانٍ، وَتَتِمَّةٍ ([27]).
اطلع عليها ابن سيد الناس ونقل عنها ([28])،
ويبدي فيها موسى اهتماماً خاصاً بذكر تواريخ الحوادث معتمداً على إضافة الصحف
والوثائق الأصلية والرسائل في نقله للأخبار، مستشهداً بالآيات القرآنية، فضلاً عن
استشهاده بالشعر وحَدَّثَ سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: كَانَ
بِالمَدِيْنَةِ شَيْخٌ يُقَالَ لَهُ: شُرَحْبِيْلُ أَبُو سَعْدٍ، وَكَانَ مِنْ
أَعْلَمِ النَّاسِ بِالمَغَازِي. قَالَ: فَاتَّهمُوْهُ أَنْ يَكُوْنَ يَجْعَلُ
لِمَنْ لاَ سَابقَةَ لَهُ سَابقَةً، وَكَانَ قَدِ احْتَاجَ، فَأَسقطُوا مَغَازِيهِ
وَعِلْمَهُ.قَالَ إِبْرَاهِيْمُ: فَذَكَرْتُ هَذَا لِمُحَمَّدِ بنِ
طَلْحَةَ بنِ الطَّوِيْلِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَعْلَمَ بِالـمَغازي مِنْهُ،
فَقَالَ لِي: كَانَ شُرَحْبِيْلُ أَبُو سَعْدٍ عَالِماً بِالـمَغازي،
فَاتَّهمُوْهُ أَنْ يَكُوْنَ يُدْخِلُ فِيْهِم مَنْ لَمْ يَشْهَدْ بَدراً، وَمَنْ
قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَالهِجْرَةَ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُم، وَكَانَ قَدِ
احْتَاجَ، فَسَقَطَ عِنْدَ النَّاسِ. فَسَمِع بِذَلِكَ مُوْسَى بنُ عُقْبَةَ،
فَقَالَ: وَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَرَؤُوا عَلَى هَذَا، فَدبَّ عَلَى كِبَرِ
السِّنِّ، وَقَيَّدَ مَنْ شَهِدَ بَدراً، وَأُحُداً، وَمَنْ هَاجَرَ إِلَى
الحَبَشَةِ وَالمَدِيْنَةِ، وَكَتَبَ ذَلِكَ ([29]).  وكَانَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ يَقُوْلُ:
(كِتَابُ مُوْسَى بنِ عُقْبَةَ) عَنِ الزُّهْرِيِّ: مِنْ أَصَحِّ هَذِهِ الكُتُبِ ([30]).   وتفيدنا
الأخبار أن موسى بن عُقبة أخذ من تراث ابن عباس وكتاباته، كما حدَّث هو نفسه،
قَالَ: وَضَعَ عِنْدَنَا كُرَيْبٌ حِمْلَ بَعِيْرٍ أَوْ عِدْلَ بَعِيْرٍ مِنْ
كُتُبِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَكَانَ عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ إِذَا
أَرَادَ الكِتَابَ، كَتَبَ إِلَيْهِ: ابْعَثْ إِلَيَّ بِصَحِيْفَةِ كَذَا وَكَذَا.
فَيَنْسَخُهَا، وَيَبْعَثُ إِلَيْهِ إِحِدَاهُمَا. ([31]).  قَالَ النَّسَائِيُّ: أَثْبَتُ أَصْحَابِ
نَافِعٍ: مَالِكٌ، ثُمَّ أَيُّوْبُ، ثُمَّ عُبَيْدُ اللهِ، ثُمَّ يَحْيَى بنُ
سَعِيْدٍ، ثُمَّ ابْنُ عَوْنٍ، ثُمَّ صَالِحُ بنُ كَيْسَانَ، ثُمَّ مُوْسَى بنُ
عُقْبَةَ، ثُمَّ ابْنُ جُرَيْجٍ، ثُمَّ كَثِيْرُ بنُ فَرْقَدٍ، ثُمَّ اللَّيْثُ
بنُ سَعْدٍ ([32]).  وقال الذهبي: احْتَجَّ الشَّيْخَانِ بِمُوْسَى
بنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ ([33]).
وتوجد نسخة من كتابه “المغازي” في مكتبة برلين بألمانيا. ومنهم مَعْمَرُ بن راشد
153ه/770م)تلميذ الزهري النجيب، وَكَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ العِلْمِ، مَعَ
الصِّدْقِ، وَالتَّحَرِّي، وَالوَرَعِ، وَالجَلاَلَةِ، وَحُسْنِ التَّصْنِيْفِ ([34]).  قال عَلِيُّ بنَ المَدِيْنِيِّ: جُمِعَ
لِمَعْمَرٍ مِنَ الإِسْنَادِ مَا لَمْ يُجْمَعْ لأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ([35]).
وقال ابْنَ جُرَيْجٍ: عَلَيْكُم بِهَذَا الرَّجُلِ يَعْنِي: مَعْمَراً فَإِنَّهُ
لَمْ يَبْقَ فِي زَمَانِهِ أَعْلَمُ مِنْهُ ([36]).  وعن عبد الرزاق، أنا معمر، قال: «دخلت أنا وابن
جريج مسجدا ومعي ألواح ومعه ألواح فجعل يكتب عني وأكتب عنه» ([37]).
ويرجح الكتَّاب أن كتاب “الجامع” الذي رواه عبد الرزاق هو كتاب
“الجامع” الذي ألفه معمر، وأضافه عبد الرزاق في آخر كتابه، كما قال
الإشبيلي: “وحدثني أيضاً بالجامع المضاف إلى مصنف عبد الرزاق وهو “جامع
معمر” ([38]).
وقد صرح بالنقل عن “جامع معمر” معظم أهل السيرة ([39]).
وقد بلغت روايات الجامع (1614) رواية جميعها لمعمر ما عدا (57) رواية، ويرى
الدكتور محمد رأفت السعيد أنها مقحمة، من قبل إسحاق بن إبراهيم راوي كتاب الجامع
عن عبد الرزاق ([40]).
وأكد ابن النديم وجود كتابه فقال: وله من الكتب “كتاب” المغازي
([41])
. وهكذا
رأينا أن لكل واحدٍ من هؤلاء الفحول منهاج وإبداع في روايته للمغازي والسيرة
النبوية والتاريخ، بينتها في طيات الحديث عن ترجمتهم في رسالة الدكتوراه عن “منهاج
الواقدي ومساهمته في الرواية التاريخية”. وبشكل
عام فإن المتأخّرين من صغار التابعين كان لهم دور هام في الجمع والتصنيف حيث جمعوا
أكبر كم من الروايات المتعددة؛ لأكبر كم من الأحداث، عن أكبر عدد من الرواة، من
خلال روايات شخصية أو محليّة، أو قبلية، كما استفادوا من المكاتبات التي تمت بين
الخلفاء والأمراء مع الصحابة وأهل العلم والرواية من التابعين، والتي تضمنت في جزء
منها السؤال عن أمور هامة ارتبطت بالـمَغازي والسير والرواية الى جانب الفتوى
والعلم، ولعل أكثرها كان بين عبد الملك وعروة بن الزبير، وابن المسيب وبين الزهري
وهشام بن عبد الملك وغيرهم. زيادة عما استفادوا من مراسلات مَن سبقهم من الصحابة
وكبار التابعين. وكذلك
مما يلفت النظر هنا أن ما تميز به زمن أتباع التابعين عموماً هو تطوير منهاج
التدوين من خلال ابتداء كثرة التدوين والتصنيف الموضوعي للسنة المطهرة، وتبويبها ويشكل
علم المغازي جزءاً هاماً منها، فعن سَعِيد بْنُ زِيَادٍ مَوْلَى الزُّبَيْرِيِّينَ
قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ يُحَدِّثُ سَعْدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ قَالَ:
«أَمَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِجَمْعِ السُّنَنِ فَكَتَبْنَاهَا
دَفْتَرًا دَفْتَرًا، فَبَعَثَ إِلَى كُلِّ أَرْضٍ لَهُ عَلَيْهَا سُلْطَانٌ
دَفْتَرًا» ([42]).  وقد
عبَّر عن هذا التطور الإمام الذهبي في معرض حديثه عن أحداث (سنة 143 ه/670م)،
بقوله: وفي هذا العصر شرع علماء الإسلام في تدوين [ويقصد التأليف والتصنيف] الحديث
والفقه والتفسير، فصنف عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (ت 150 هـ/767م) التصانيف
بمكة، وَصَنَّفَ سعيد بن أبي عَرُوبة (ت 156 هـ/773م) ([43]).
وحماد بن سلمة (ت 167 هـ/783م) [وَصَنَّفَ الرَّبيع بن صَبيح (ت 160 هـ/777م)]
وغيرهم بالبصرة، وَصَنَّفَ عبد الرحمن بن عمرو الأَوْزاعي (ت 157 هـ/774م) بالشام،
وَصَنَّفَ مالك بن أنس (ت 179 هـ/795م) الموطأ بالمدينة، وَصَنَّفَ ابن إسحاق الـمَغازي
([44])،
وَصَنَّفَ ومعمر بن راشد (ت 153 هـ/770م) باليمن، وَصَنَّفَ أبو حنيفة النعمان (ت
150 ه/767م) وغيره الفقه والرأي بالكوفة، وَصَنَّفَ سفيان بن سعيد الثوري (ت 161
هـ/778م) بالكوفة، كتاب “الجامع”، ثم بعد يسير صنف هشيم كتبه، وَصَنَّفَ
اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ (ت 175 ه/ 791م) وعَبْدُ اللهِ بنُ لَهِيْعَةَ بنِ عُقْبَةَ
الحَضْرَمِيُّ (194 ه/810م) بمصر، ثم عَبْدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ (ت 181ه/ 796م)
وأَبُو يُوْسُفَ يَعْقُوْبُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ الأَنْصَارِيُّ (ت 182 ه/797م) وعَبْدُ
اللهِ بنُ وَهْب (ت 197ه/813م) . [وهُشَيم بن بشير الواسطي (ت 183 ه/799م) بواسط،
وجرير بن عبد الحميد (ت 188 هـ/804م) بالرَّيّ، وعبد الله بن المبارك المَرْوَزي
(ت 181 هـ/797م) بِمَرْو وخراسان] ([45]).  وكثر تدوين ([46])
العلم وتبويبه، ودوّنت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس. وقبل هذا العصر
كان سائر الأئمة يتكلمون عن حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة. فسهل
ولله الحمد تناول العلم، وأخذ الحفظ يتناقص، فلله الأمر كله ([47]).
ومع هذا ظهرت الكتابات التي تهتم بفتوح البلدان وتاريخ البلدان التي ألف فيها
علماؤها ولعل أبرز الأوائل الذين أفردوا لكل بلد مؤلفاً خاصاً به في الفتوح، هو
الإمام الواقدي الذي صنف لفتح عدد منها مؤلفاً، ومنهم من كتب في تاريخها وأبرزهم
الإمام الخطيب البغدادي حتى أصبح ذلك مشتهراً بين أهل العلم. كما
يوضح معنى وصورة هذا الأمر الحافظ ابن حجر فيقول: وأوَّل من دوَّن الحديث: ابن
شهاب الزُّهْري على رأس المائة، بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثُر التدوين، ثم
التصنيف، وحصل بذلك خير كثير، فلله الحمد ([48]).    وقد
ذكر المؤلفون الأوائل من أهل العلم وأصحاب التراجم والطبقات أسماء عدد ممن عرف
عنهم التصنيف والتأليف في المغازي، وقد جمع د. أكرم ضياء العمري مجموعة هامة من
أسماء العلماء والفقهاء الذين كان لهم النصيب الأكبر في إيضاح سيرة الرسول صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهذه الفئة لم نجد لمؤلفاتهم ذكراً إلا من خلال
التراجم والسير الخاصة بهم، وهي في غالب الأمر مفقودة، ومن أولئك نذكر ما يلي: أبو معشر السندي (ت171هـ)، له كتاب
“المغازي”. وعبدالله بن محمد بن أبي بكر المدني (176هـ) صنف في المغازي.
ويحيى بن سعيد الأموي (ت194هـ) صنف في المغازي. والوليد بن مسلم الدمشقي (ت196هـ).
ويونس بن بكير (ت199هـ) أحد رواة سيرة ابن إسحاق. ومحمد بن عائذ الدمشقي (234هـ)،
صنف في المغازي. وعبد الله بن محمد بن نفيل الحراني (ت 234ه) له كتاب المغازي وهو
ثقة حافظ. وعليّ بن محمد المدائني (ت235هـ)، صنف موضوعًا في السيرة (ألَّف كتابا
فيها أسماه “كتاب سرايا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “،
وكتابا آخر باسم “كتاب السرايا” ذكرهما ابن النديم ([49]).
 ومعلوم أن معظم كتب المدائني فقدت. وصالح
بن إسحاق الجرمي النحوي (ت235هـ) له “كتاب في السيرة عجيب”. وإسماعيل بن
جميع (ت277هـ) له كتاب “أخبار النبي ومغازيه وسراياه”. وسعيد بن يحيى بن
سعيد الأموي (ت249هـ) صنف في المغازي. وأحمد بن الحارث الخراز (ت258هـ) له كتاب
“مغازي النبي وسراياه وأزواجه”. وعبدالملك بن محمد الرقاشي (ت276هـ) له
كتاب “المغازي”. وإبراهيم بن إسماعيل العنبري (ت280هـ) له كتاب
“المغازي”. وإسماعيل بن إسحاق القاضي (ت282هـ) له كتاب
“المغازي”. ثم
هناك مجموعة أخرى من التابعين وأتباعهم ذكرتهم المصادر في ثنايا كتبهم باهتمامهم
بالسيرة وبأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء لم تصرح المصادر بتأليفهم في
السيرة بل أشارت إلى عنايتهم، واهتمامهم بالتحديث بها. ونذكر منهم معتمدين على ما
أورده د. العمري في ذلك وهم: عكرمة مولى ابن عباس (ت107هـ). وأبو إسحاق عمرو بن
عبدالله السبيعي (ت127هـ). ويعقوب بن عتبة بن المغيرة (ت128هـ). وداود بن الحسين
الأموي (ت135هـ). وعبدالرحمن بن عبدالعزيز الحنيفي (ت162هـ). ومحمد بن صالح بن
دينار (ت168هـ). وعبدالله بن جعفر المخرمي المدني (ت170هـ). وبذلك
نقف على نهاية المرحلة الأولى من مراحل تدوين السيرة والاهتمام بها في عهد
الصحابة، والتابعين ومن تبعهم من تلاميذهم وغيرهم، وقد أكدت جل المصادر أن مؤلفات
هؤلاء العلماء الذين سبق ذكرهم يعد معظمها أو كلها مفقوداً، إلا ما ندر من بعض
الأجزاء الصغيرة، أو الوريقات المبعثرة في بعض كتب من ألَّف في السيرة أو في كتب
التاريخ العام ([50]).
  وقد
اعتنى ابن هشام الحميري المعافري (ت218ه) بكتابه الذي اشتُهر به وهو كتاب “السيرة
النبوية”، وهو تنقيح وتهذيب، وتصويب لكتاب (المغازي) لابن إسحاق.”حيث
حذف ابن هشام كثيراً من الإسرائيليات والأشعار المنتحلة، وأضاف معلومات في اللغة
والأنساب… ومعظم المؤلفات بعده أخذت منه. والحق أن الصورة التي تعطيها مغازيه عن
حياة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تقترب إلى حدٍ كبير مما أوردته كتب
الحديث الصحيحة مما يعطي سيرته توثيقاً كبيراً” ([51]).
  ومعلوم
أن ابن سعد (ت 230ه/) [وقد وثق العلماء ابن سعد، وأثنوا على كتابه الطبقات، فقال
الخطيب البغدادي عنه: “كان من أهل العلم والفضل، وصنف كتاباً كبيراً في طبقات
الصحابة والتابعين والخالفين إلى وقته فأجاد فيه وأحسن” ([52]).
قد أفرد لها مجلداً خاصًّا من كتابه “الطبقات” وهو المجلد الثاني، من
الطبقات الكبرى، المطبوع، بعنوان: ذكر مغازي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وسراياه، جمع فيه أقوال معظم المعتمدين في السيرة والمغازي والأنساب
والجغرافيين وغيرهم، جعل معظمها في أسانيد مجموعة، وأفرد بعضها، وأكثر من الرواية
عن الواقدي بأسانيد مجموعة ومفردة عنه. وقد تبعه في ذلك الإفراد كل من البيهقي
وابن القيم والذهبي وابن كثير والشامي والحلبي، عدا عن كتاب الحديث الذين أفردوا
أبواباً وفصولاً في مصنفاتهم عن المغازي والسير، وكذلك بعض الفقهاء ككتاب الأم
للشافعي الذي ضم فيه كتاب “سير الواقدي”.  “وقد
ظلت مادة المصنفات الأولى هي الأساس في المصنفات المتأخرة، ليس في المادة فقط بل
في طريقة العرض أيضاً، ومن أبرز المصادر التي وصلت إلينا في السيرة”
([53])
.”وفي
المدينة توسعت دراسة السيرة وتاريخ الأمة، فمن الربع الثاني وصلتنا أول سيرة
متكاملة لابن إسحاق، إضافة إلى وضعه تاريخ الخلفاء، ولم يكد ينتهي هذا القرن حتى
زادت الدراسات غنىً وتنوعاً إذ رأينا كتاب الـمَغازي للواقدي، وكتابه التاريخ
الكبير الذي تناول الأحداث إلى آخر القرن الثاني للهجرة، ووضع دراسات تختص ببعض
الأحداث مثل يوم الدار، ويوم الجمل، وصفين، إضافة إلى كتبه في الفتوح” ([54]).  وكتبه في مقتل الحسين رضي الله عنه وغيرها مما
ذكره أهل العلم أنه يحتاج إلى حمل الجمال. ومضت بكتبه الركبان، وقد وصلت آخر رواية
له في التاريخ فيما ذكر الطبري في تاريخه إلى سنة ثمان وتسعين ومائة للهجرة، فيما
وصلت عند ابن سعد إلى سنة ست وثمانين، ذكرها ابن سعد في ترجمة حاتم بن إسماعيل،
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: أَشْهَدَنِي أَنَّهُ مَوْلَى لِبَنِي عَبْدِ الْمَدَانِ
بْنِ الدَّيَّانِ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، وَأَعْطَانِي سِجِلَّ
أَبِيهِ… ([55]).  بينما جاءت آخر رواية له عند الطبري فيمن حج
سنة ثمان وثمانين ومائة ([56]).  في حين ذكر الخطيب آخر رواية له عن وفاة أبي
قطن عمرو بن الهيثم، المحدِّث بالبصرة لأربع ليال يعني من شعبان سنت ثمان وتسعين
ومائة ([57]).   وقد ظهرت مؤلّفات كثيرة أخرى متخصصة سارت على
نهج الواقدي الفذ في سياقة الرواية وتنسيقها في مكانها عند عدد من المؤرّخين من
بعده. وما
يمكن أن نلاحظه من خلال استعراضنا لهذه المصنفات ومؤلِّفيها هو اشتهار المصنِّفين وأوَّلِيّاتهم
بحسب أماكن إقاماتهم، واستقرارهم الجغرافي، حيث كان انحصار اهتمامهم، فكان اهتمام
أهل المدينة بالـمَغازي والسيرة، بينما كان اهتمام غيرهم من أهل البلدان المفتوحة
بالفتوح، كل ببلده ومحيطه الذي استقر فيه وما جرى فيها، كما ذكر الذهبي آنفاً،
وهذا أمر طبيعي، بل هو دقيق إذا أن كل أهل بلد يتحدثون عما حصل عندهم من أحداثٍ من
مصادرهم، الذين شاهدوها أو عايشوها، أو شاركوا فيها، أو عمن بلغهم عنها من
الأبناء، الذين نقلوها عن آبائهم، فنقلوها وحدَّثوا بها، فهم أولى الناس بالرواية
عنها، ولعل أهم تلك المصادر عن الفتوح هي الكوفة والبصرة اللتان كانتا مركزين
للفتوحات في العراق والشرق، إضافة إلى كونهما من أهم الأمصار في العصر الأموي،
وأوائل العصر العباسي، ثم بغداد التي اعتبرت منذ تأسيسها في عهد المنصور العباسي
من أهم المراكز العلمية، وكانت مقصد أهل العلم عند ذلك، ومحط رحالهم، إلا أن أكثر
من اشتهر من هؤلاء هم رواد مدرسة الإخباريين في الكوفة والبصرة، الأمر الذي جعل
الاهتمام ينصب عليهما بعد أن كان منصباً على بلاد الشام في دمشق مهد الدولة الأموية
خلال الحقبة التي سبقتها، ولعل تنقل الواقدي بين المدينة التي نشأ فيها وعاش فيها زمناً
طويلاً، وتبع فيها أخبار الـمَغازي من مصادرها الأصلية الأساسية، وعاين أماكنها
ووصفها، وكذا انتقاله إلى الشام ثم استقراره بالعراق ضمن فترات زمنية مختلفة، جعله
محيطاً بعلوم شتى، وأخبار شتى شملت السيرة والـمَغازي والتاريخ والفقه والحديث،
حتى سارت بكتبه الركبان. قال الشامي في سبل الهدى والرشاد: ولا خلاف أنه كان من
بحور العلم ومن سعة الحفظ بمكان، وقد نقل عنه في هذا الباب أئمة من العلماء، منهم
الحافظان: أبو نعيم الاصفهاني وأبو بكر البيهقي رحمهما الله تعالى في دلائلهما.
ومن المتأخرين الحافظ ابن كثير رحمه الله في السيرة النبوية من تاريخه، والحافظ
رحمه الله في الفتح وغيره، وشيخنا رحمه الله في الخصائص الكبرى، فاقتديت به ([58]). ثم
ما لا يمكننا أن نغفل هنا هو أولئك الإخباريون على ما عليهم والذين غطُّوا مساحة
واسعة من التاريخ والفتوح والأحداث التي دارت خارج الجزيرة، مثل أولئك الذين ظهروا
في الكوفة والبصرة أمثال أبي مخنف (157ه/774م) وسيف بن عمر (ت180ه/798م) وعوانة بن
الحكم (ت 147ه/764م) ثم نصر بن مزاحم (ت 212ه/827م) وهو المنقري العطار الكوفي هو
أحد علماء الشيعة ومؤلفيها من طبقة أبي مخنف، كان عارفاً بالتاريخ والأخبار، من
الغلاة جلد في ذلك ([59]). ونلاحظ
من خلال رواياتهم رؤيتهم الشخصية في عرض أو تفسير الأحداث، فنجد أن سيف بن عمر
مثلاً يرى أن الفتنة ناشئة عن الروادف والأغراب، وعن مؤامرة على الإسلام، بينما
نرى نصر بن مزاحم يروي عن صفين من خلال نظرة علوية خاصة يصور فيها الأمر على أنه
صراع بين الحق والشرعية من جهة، وبين الخروج عليها من جهة أخرى، ويرى في القبلية
ونزاعاتها سبب فشل الإمام علي رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ([60]).  أما
فيما يتعلّق بتصنيف وتأليف الحديث الشريف والسنة المطهرة، فينطبق عليه ما ينطبق
على المغازي، وكثمرة لجهود اتباع التابعين العظيمة، فقد بلغ ذروته في القرن الثالث
الذي اعتبره العلماء أسعد عُصُور السنّة وأزهاها حيث “فيه دونت الكتب الستة
التي اعتمدتها الأمة، ونشطت رحلة العلماء، وكان اعتمادهم على الحفظ والتدوين معاً،
فكان النشاط العلمي قوياً خلاله، فبرز العلماء والنقّاد، وتجلت ثمار هذا النشاط
العلمي القوي، في تدوين الصحاح، وقد اقتصر دور العلماء في القرون التالية على
الجمع بين كتب السابقين، أو اختصارها بحذف الأسانيد، أو تهذيبها، أو إعادة
ترتيبها، وهكذا انصب اهتمامهم على الكتب المدونة، وقلت بينهم الرواية الشفهية،
لذلك اعتبر الحافظ الذهبي وابن حجر رأس السنة ثلاثمائة للهجرة الحد الفاصل بين
المتقدمين والمتأخرين من نقّاد الحديث ([61]).  وهذا أمر هامّ في ميدان توثيق العلوم وخاصة
الحديث والسيرة والـمَغازي والفتوح وتاريخ الخلفاء، وتاريخ ما بعدهم، وهو ما وضحته
هذه الدراسة. كما
وإن ما لا يمكن أن نغفل هنا هو ابتداء التركيز على الإسناد الذي يعتبر الأساس في حماية
نقل الروايات عامة، لم يكن موجوداً في الفترة المبكرة من زمن الصحابة إذ لم يكن محتاجاً
إليه لأن الصحابة ثقات، وهم يروون الخبر عن أنفسهم، أو مشاهدتهم له، وهم الذين سمعوا
أو شاركوا، أو شاهدوا، الحدث، وإن السؤال عن السند لم يكن مستساغاً عندهم بل قد
يكون مدعاة لغضب بعضهم كما يروي لنا حميد الطويل قال: كنا مع أنس بن مالك في بستان
له وهو على دكان، وهو يومئذٍ طيب النفس، فحدَّثَنا عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال له بعضُنا أسمعتَ هذا من رسول الله صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فغضب غضباً شديداً ثم قال: إنه والله ما كل ما نحدِّثُكم عن
رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سمعناه منه، ولكن لا يكذب بعضنا
بعضاً” ([62]).  ثم
إننا نلحظ أن الإسناد بدأ زمن كبار التابعين، ولكن التأكيد عليه والإلحاح في طلبه
ازداد بعد جيل تابعيهم، بسبب شيوع الوضع واتساع نطاقه على مرِّ الزمن، مما جعل
السند شرطاً لقبول رواية الراوي حتى اعتبر السند من الدِّين، ولهذا قال ابن سيرين:
“لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء” ([63]).
“وأبرز من اشْتُهِرَ بالحِرصِ على الإسناد وضبطه واشتُهِرَ بقوّةِ إسناده مع
تقدُّمِه، هو الإمامُ ابنُ شهاب الزُّهريّ، ونظرته هذه تُمثّل نظرةَ عصره، حيث
نجده يعتبر روايةَ التابعين أحياناً وافيةً بشروط الإسناد، ولكنه أدخل شيئاً
جديداً ومُهمَّاً ألا هو الإسناد الجمعي، حيث يدمج عدة روايات في خبرٍ متسلسل،
وبذلك أحدث خطوةً مهمةً في ميدان الكتابة التاريخية المتّصلة” ([64]).  وهذا
يدلُّ بوضوح على تبلوُر هذا النهج في العصر الأموي وخاصة في المدينة والشام،
خلافاً لما يلبسه المغرضون عن هذا العصر الذهبي للتدوين، وقد سار على هذا النهج
الإمام مالك، وابن إسحاق بشكل محدود، ومضى به الواقدي وكاتبه ابن سعد، بشكل قوي
حتى انتقده البعض وكان نقدهم في غير محله، فجمعُ الأسانيد دليل على سعة المعرفة
وغزارة العلم وكثرة الشيوخ عند الراوي، كما هو دليل على أمانته، وقدرته على ضبط
الروايات ووضعها في محلها مع بعضها البعض. 
ومِنْ ثّمَّ وجدنا أنَّ جَمعاً مِن أهل العِلم ينتهجُ هذا النهج بعد ذلك في
مقارنتهم للروايات وتمحيصهم لها سنداً ومَتْنَاً.   ومن
ها هنا وجدنا أن السند صار محلّ تحرير ذمَّةٍ للراوي، الذي يرويه عن شيخه، عن شيخ
شيخه، إلى أن يصل إلى الصحابيّ، فهو بهذا يتحلَّلُ من المسؤولية والتَّبِعَةِ عمّا
يرويه، ويجعل العُهدةَ على شيوخه، وهو ما عبّر عنه بعضُ أهل العلم بقولهم:
“العهدة على الراوي لا على الناقل” وبات السند مَبعثاً للطمأنينة عند
السَّامعين، وصمَّام أمانٍ للرواية أيّاً كانت، ومحلاً لتمحيص الرجال، ومعرفة درجة
الراوية ومحلها من الصحة أو الضَّعف، وقد أصبح قبولُ الرواية مَنُوطاً بذكر
الإسناد ([65])

 المبحث التاسع: الأمور التي ظهر فيها تطور علم
المغازي من حيث الرواية وحسن التصنيف:

كان من أهم ما
برز في تطور علم المغازي في الصدر الأول للإسلام؛ هو الأسلوب المبدع الذي انتهجه
المؤلفون الأوائل الذين صار عليهم المعتمد، حيث كانت لهم عناية فائقة في تطوير هذا
الفن من الكتابة، والذي تجلى في طريقة صياغة الخبر بشكل محيط ملمٍّ به من كل
جوانبه، وذكر كل ما يتعلق به من قريب أو بعيد، ونتائجه، وذلك من خلال الترتيب
الموضوعي المتسلسل للأحداث، وذكر تاريخها، وسببها، ومن حرض أو حالف، وسبب تسميتها،
ومن تأمَّر على البعث والسرية، ، وعدد من شارك في كل منها، ونسبته مهاجري كان أو
أنصاري، أو غيرهم، وذكر الرايات التي استخدمها كل قوم، والعلامات، والإشارات
والشعارات، وعدد المركوبات واسمها وجنسها ووصفها، ويذكرون أسماء السيوف والرماح
ومصدرها كمن قدمها أو اشتراها، أو غنهما، وربط الحدث بوصايا كان يوصيها النبي صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للأمراء منها ما كان عاماً، والوصية بالدعوة والتريث
والرفق عموماً، وما كان منها خاصاً لسبب ما، وكذلك ما اتَّسَم فيها من حرص النبي صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على وحدة الصف وطاعة الأمير وعدم الاختلاف، وتحديد الطرقات
التي سلكت ووصفها ومكانها، وكم تبعد عن مركز الدولة الإسلامية الناشئة، (المدينة
المنورة) ومن الذي كان يسكنها من القبائل، ومن يسكن قريباً منها، وإلى من تنتسب، وإن
كان لها خاصية معينة، وأهمية الموقع الجغرافي، والتجاري والعسكري، والسياسي
والاجتماعي والاقتصادي، وما يشكله من آثار على مجريات الأحداث ومن استخلف النبي صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المدينة في غيبته، وكم طالت الغيبة في غزوة أو
سرية، وما دار بين المسلمين والمشركين وذكر أحلاف كل منهم، ومن تدخل بينهم إن كان
هناك من تدخل، وعدة الطرفين وعددهم، وإن كان هناك شخص مميز ترجموا له وتطرقوا إلى
مآثره، أو كيده، فيما سبق، وفيما حقق، ومتى توفي أو قتل، ولو متأخراً، وشجاعة من
كان شجاعاً، ومن استشهد أو قتل، ومن أصيب، والتحفيز الذي كان يمارسه النبي صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شَحذ الهِمَم، أو جائزة لأحد، وعن حسن اختيار النبي
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للأمراء بحسب ما يناسب المكان المقصود، وتفاصيل
ما حل بالأسارى والسبي، ونتائجها، وأثر الحدث النفسي والاجتماعي والإقتصادي، وذكروا
الشمائل النبوية التي ظهرت فيها، ورجحوا أحياناً بعض الروايات على الأخرى بناءً
على تحليلهم الخاص تارة، وتارة أخرى بناءً على مؤيدات تاريخية تتصل بالحدث كاستبعاد
مشاركة صحابي في غزوة أو سرية ما بناءً على تأخَّر هجرته عن الحدث، أو تأخَّر
إسلامه، أو غيابه في مكان ما، ومن كان له إسهامات معينة في الإنفاق والبذل، أو المشورة
والرأي، أو موقف بطولي، وبروز الاهتمام بالجانب الإنساني بكل المخلوقات، الإنسان
والحيوان والشجر، وبيان ارتباط الحوادث بالملأ الأعلى، عن طريق تخصيص مساحة لما
نزل فيها من القرآن الكريم إن وجد، وهو ما يُسهم في بيان سبب النزول. إضافة تخصيص
ما يناسب من ذكر شمائل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما ظهر فيها،
وإبراز الجوانب الاقتصادية والعقائدية والسياسية والاجتماعية، والأمنية والعسكرية،
كأسباب أو نتائج، وبيان ما ظهر فيها من أحكام شرعية اتصلت بالحدث من عمل ما، أو
صلح أو هدنة أو مواثيق، أو ذمة، عدا عن عرض مجموعة من الروايات بأسانيد مختلفة حول
موضوع واحد مما ينبئ عن فحولة المؤلف وتبحّره وإحاطته بالموضوع، وقدرته على ترتيبه
بشكل محكم يخفف على القارئ عناء طول القراءة من غير طائل، وأكثر ما ظهر من تلك
الأمور في كتابة ابن إسحاق وأكثر منه عند الواقدي وابن سعد كاتبه، وهكذا نجد أن
هذا التطور في علم المغازي أفاد الفقهاء والمحللين والأمراء والمربين، ومكّنهم من
الإستفادة من المشاهد في تطبيق أحكامه على حياتهم اليومية وعلاقاتهم الدولية، كما برز
الاهتمام بالسند والمتن كضابط هام وأساسي في قبول الروايات وتمحيصها. وهو ما أعطى
الحصانة للرواية الإسلامية في معظم جوانبها من التحريف والوضع والكذب وخلافه.  

المبحث العاشر: نتائج الدراسة:

وقد
برز لنا كنتيجة لهذه الدراسة قضايا كثيرة، أختصرها بأمور ومنها:

  1. إن هَذَا الْفَنُّ مِمَّا يَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِهِ وَالِاعْتِبَارُ بِأَمْرِهِ وَالتَّهَيُّؤُ لَهُ، ولأَجْلِ هَذِه الأَهمِّيةِ بالسِّيرَةِ النَّبَويَّةِ فقدْ عَنِيت الأُمَّةُ بِها عنَايةً فَائِقَةً، واشْتَغَلتْ بِها مُنْذُ القَرْنِ الأَوَّلِ.ومما لاحظناه من خلال المصادر المتعددة لروايات المغازي هو وجود الكثير من الروايات الموثقة الصحيحة في كتب الصحاح والسنن الأخرى، وهو ما توصل إليه الجهابذة بقولهم: “إن الفرق بين كتب الحديث وكتب السيرة يتمثل في كون كتب السيرة تسوق كثيراً من الروايات بأسانيد مرسلة ومنقطعة، وتوجد هذه الروايات في كتب الحديث متصلة مسندة مما يوثق معلومات كتب السيرة” ([66]). “وإن الدراسة والمقارنة تكشف عن التطابق بين كتب الحديث وكتب السيرة في كثير من الأسس والتفاصيل معاً” ([67]).
  2. أن توثيق المغازي جاء في كتاب الله تعالى أولاً، وقد ذكرت تفاصيل كثيرة في عدة سور من القرآن الكريم، انظر مثلاً سورة البقرة وآل عمران، والنساء والتوبة، والأحزاب والحشر، وغيرها،  وهو ما تأكد لنا من خلال سؤالات ابن عباس، وأهمية ما قاله الزهري عنه: أن فيه علم الدنيا والآخرة، وذلك لارتباطه بعلم التفسير وسبب نزول الكثير من آيات القرآن الكريم في سببه أو شرح أو بيان واقعه ومجرياته، إذ أنه ورد الكثير من أخبار المغازي في العديد من السور والآيات الكريمة، فشكَّلت توثيقاً لا يمكن أن يشكك فيه لكثير من المشاهد والمواقف التي حدثت في المغازي، في حين أنها كونت مصدراً لأحكام فقهية ارتبطت بها من خلال حوادث وقعت فيها ونزل تبيان حكمها فيها. وقد تراوحت الآيات في بيان وكشف الكثير من الأمور التي ارتبطت بالغزوات حتى الأمور الخفية التي برزت من خلال بيان الحالة نفسية لدى المسلمين، أو الكفار، وفضح دور القوى الخفية التي كانت تحرض وتدير الأمور من وراء الكواليس كاليهود والمنافقين ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا* وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: 9-15]

وتبيان
التربية الإلهية لأنصاره بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ
إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ
وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
[النساء: 104] ومن بيان حقد وحسد وشراسة العدو وعدم رأفته بالمسلمين، ﴿لَا
يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾
[النساء:10] ومن بيان ما كان من مشاعر العداء والكراهية للمسلمين، كما بين في حال
اليهود والمشركين والمنافقين، وبيان أمور غيبية كبيان أثر الرعاية الربانية للنبي
والمسلمين وحملة الدعوة إلى الله تعالى، ونزول وتأييد الملائكة عليهم السلام
للمسلمين، وإلقاء الرعب في قلوب الكفار، وما ارتبط بها من أحكام الصلح والهدنة
والذمة والسلم والحرب، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ
قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ
وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ
وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى
يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ
دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي
الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
[البقرة: 217] وكذلك
ما ظهر من روعة الإيمان بالقدر، وأحياناً بيان الحكمة من الحدث، أو السبب فيه كما
في أحد ولأحزاب وتبوك وحنين مثلاً، وبيان أثر الوحدة وضرر الاختلاف، الغرور بالنفس
أو الكثرة، وسوء عاقبة عصيان الأوامر وعواقبها الوخيمة وهكذا دويلات. وليس هنا
مجال التفصيل فيها.

  • وإن الاهتمام
    بعلم المغازي بدأ في زمن مبكر، حفظاً ورواية وكتابة وإملاءً ومراجعة، وعلى لسان وبيد
    من شارك أو عايش من شارك فيها، من الصحابة الكرام، ثم من سمع أو كتب أو نقل عنهم
    من كبار التابعين، ثم صغارهم، وكان يتطور شيئاً فشيئاً حتى بلغ ذروته واكتملت
    جوانبه على أيديهم، وهو ما استفاد منه من جاء بعدهم، وحذوا حذوهم إلى يومنا هذا من
    غير انقطاع، مما يوثق السنة المشرفة بكل أنواعها.
  • وأن الله هيأ
    لهذا العلم جهابذة المحدِّثين من طبقة التابعين وتلاميذهم للتأليف فيها وتصنيفها
    وتدوينها في وقت مبكر مستقين أخبارها من مصادرها المباشرة وهم الصحابة الذين كانوا
    شهود عيان ومشاركين في الأحداث، فلم يقع انقطاع بين الأحداث والتدوين يؤدي إلى
    الضياع أو التحريف أو التهويل، كما وعندما نستعرض أصحاب كتب السيرة نجد معظمهم من
    المحدثين وليسوا من الأدباء أو القصاصين ولذلك أهميته، فهم معروفون بالتوثيق، ولهم
    مناهج نقدية واضحة. وأساليبهم جدية بعيدة عن المبالغة والحشو والخيال ([68]).
  • إن ما جرى في
    القرن الثاني الهجري من التصنيف والتأليف، إنما كان من نوع تطوير نقل وترتيب
    المرويات، وجمعها الموضوعي، لحفظ هذا العلم ونقله بأساليب متعددة تعتمد على مدى
    فطنة المؤلف وسعة علمه، بعد أن تتام جمعه من مصادره الأصلية، وليس استحداث مرويات
    تخمينية أو ما شابهها.
  • إن ما ذكر من
    اختلاف أهل العلم في بعض الأوليات في التأليف في المغازي، لا يعني تضعيف قدر
    التوثيق، بل يغنيه من حيث الإحاطة بتفاصيل الروايات التي تفرقت تفرق الصحابة رضي
    الله عنهم على البلدان، فبرز الكثير ممن اهتموا بهذا العلم في أمصار شتى. فظهر في
    كل بلد أول من ألف فيها، وليس على الإطلاق فاختلفت أقوالهم في الأولية.
  • وإن الغالبية
    العظمى والمهمة من الكتابات القديمة ظلت محفوظة إلى يومنا هذا، كما ظهر في الصحاح
    وكتب السنة الأخرى. وبعضها مخطوط أصلي موجود في مكتبات أوروبا كما أشار بعض الكتاب
    في بعض الدراسات الحديثة. وأن ما غاب عنا منها لا يؤثر ولا ينقص من قدر ما وصلنا، وذلك
    لتطابق الروايات والمعلومات الهامة في الأحداث في هذه المصادر.
  • إن اشتراط الصحة في كل خبر تاريخي والذي مشى عليه بعض المؤلفين
    في السيرة فاختزلوا كثيراً من أحداثها، فإن ذلك يترتب عليه تضييع ثروة علمية كبرى،
    وإهدار الاستفادة منها في مجالات تربوية وإدارية.. ونحوها؛ حيث تضعف الثقة في كل
    ما استنبط منها ([69]).
  • إن كَثِيرًا
    مَا يُوجَدُ فِي التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْمَغَازِي أُمُورٌ مَنْقُولَةٌ
    عَنْ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِ مِنْ
    الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ، وَالنَّقْلُ الصَّحِيحُ
    يَدْفَعُ ذَلِكَ؛ بَلْ هَذَا مَوْجُودٌ فِيمَا مُسْتَنَدُهُ النَّقْلُ، وَفِيمَا
    قَدْ يُعْرَفُ بِأُمُورِ أُخْرَى غَيْرِ النَّقْلِ. فَالْمَقْصُودُ أَنَّ
    الْمَنْقُولَاتِ الَّتِي يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي الدِّينِ قَدْ نَصَبَ اللَّهُ
    الْأَدِلَّةَ عَلَى بَيَانِ مَا فِيهَا مِنْ صَحِيحٍ وَغَيْرِهِ، وَمَعْلُومٌ
    أَنَّ الْمَنْقُولَ فِي التَّفْسِيرِ أَكْثَرُهُ كَالْمَنْقُولِ فِي الْمَغَازِي
    وَالْمَلَاحِمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد ثَلَاثَةُ أُمُورٍ لَيْسَ
    لَهَا إسْنَادٌ: التَّفْسِيرُ وَالْمَلَاحِمُ وَالْمَغَازِي وَيُرْوَى لَيْسَ
    لَهَا أَصْلٌ أَيْ إسْنَادٌ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهَا الْمَرَاسِيلُ مِثْلُ
    مَا يَذْكُرُهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَمُوسَى
    بْنُ عُقْبَةَ وَابْنُ إسْحَاقَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ كَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ
    الْأُمَوِيِّ وَالْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ والواقدي وَنَحْوِهِمْ فِي الْمَغَازِي؛
    فَإِنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ بِالْمَغَازِي أَهْلُ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ أَهْلُ
    الشَّامِ، ثُمَّ أَهْلُ الْعِرَاقِ. فَأَهْلُ الْمَدِينَةِ أَعْلَمُ بِهَا
    لِأَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَهُمْ، وَأَهْلُ الشَّامِ كَانُوا أَهْلَ غَزْوٍ
    وَجِهَادٍ فَكَانَ لَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ بِالْجِهَادِ وَالسِّيَرِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ،
    وَلِهَذَا عَظَّمَ النَّاسُ كِتَابَ أَبِي إسْحَاقَ الفزاري الَّذِي صَنَّفَهُ فِي
    ذَلِكَ، وَجَعَلُوا الأوزاعي أَعْلَمَ بِهَذَا الْبَابِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ
    عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ ([70]).
  • 10)     وأن “الْمَرَاسِيل”
    إذَا تَعَدَّدَتْ طُرُقُهَا وَخَلَتْ عَنْ الْمُوَاطَأَةِ قَصْدًا أَوْ
    الِاتِّفَاقِ بِغَيْرِ قَصْدٍ كَانَتْ صَحِيحَةً قَطْعًا فَإِنَّ النَّقْلَ إمَّا
    أَنْ يَكُونَ صِدْقًا مُطَابِقًا لِلْخَبَرِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَذِبًا
    تَعَمَّدَ صَاحِبُهُ الْكَذِبَ أَوْ أَخْطَأَ فِيهِ؛ فَمَتَى سَلِمَ مِنْ الْكَذِبِ
    الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ كَانَ صِدْقًا بِلَا رَيْبٍ. فَإِذَا كَانَ الْحَدِيثُ
    جَاءَ مِنْ جِهَتَيْنِ أَوْ جِهَاتٍ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُخْبِرَيْنِ لَمْ
    يَتَوَاطَآ عَلَى اخْتِلَافِهِ وَعُلِمَ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا تَقَعُ
    الْمُوَافَقَةُ فِيهِ اتِّفَاقًا بِلَا قَصْدٍ عُلِمَ أَنَّهُ صَحِيحٌ مِثْلُ
    شَخْصٍ يُحَدِّثُ عَنْ وَاقِعَةٍ جَرَتْ وَيَذْكُرُ تَفَاصِيلَ مَا فِيهَا مِنْ
    الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَيَأْتِي شَخْصٌ آخَرُ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ
    يُوَاطِئْ الْأَوَّلَ فَيَذْكُرُ مِثْلَ مَا ذَكَرَهُ الْأَوَّلُ مِنْ تَفَاصِيلِ
    الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ فَيُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ تِلْكَ الْوَاقِعَةَ حَقٌّ
    فِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا كَذَّبَهَا عَمْدًا أَوْ
    خَطَأً لَمْ يَتَّفِقْ فِي الْعَادَةِ أَنْ يَأْتِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِتِلْكَ التَّفَاصِيلِ
    الَّتِي تَمْنَعُ الْعَادَةُ اتِّفَاقَ الِاثْنَيْنِ عَلَيْهَا بِلَا مُوَاطَأَةٍ
    مِنْ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبِهِ([71]).

وكما
قال السُّبكي: وقد يقول قائل: كيف يحتج بهذه القصص التي يذكرها أهل السير ـ مثل
الواقدي وغيره ـ ولم يرد بها حديث صحيح؟ فاعلم أن المقصود تأكيد الأدلة، وقد ذكرنا
الحديث الصحيح أولاً، وبانضمام هذه الأمور إليه يزداد تأكيدًا، بل الأمور التي
ينفرد بها أهل السير إذا اشتهرت وعرفت في بعض الأوقات تكون أقوى من الحديث الذي
ينفرد به ثقة، والواقدي إمام أهل السير بلا مدافعة، منه تستفاد وإن كان فيه كلام
كثير، ربما حمل عليه كونه يجمع الأسانيد الكثيرة ورواياتها في لفظ واحد يقصد به
الجمع والاختصار، فكثر الكلام فيه لذلك، وأما علمه فلا منازعة فيه، وإذا ذكر قصة
وشرحها تقوّى بها ورودها من جهة غيره، وتبين الحال فيها، والأحاديث الضعيفة إذا
اجتمعت قربت من رتبة الاحتجاج أو وصلت، فكيف إذا كان معها صحيح؟! فكيف إذا اتفقت
السير عليها؟! ([72]).

  1. وبناءً عليه فإن ما اتفق عليه موسى بن عقبة وابن إسحاق وأبو
    معشر والواقدي من أخبار المغازي والسير، فهو حجة ومحل اتفاق بين أهل المغازي، إذ
    هم أعلم بهذا الفن من غيرهم فاتفاقهم حجة كما نص عليه ابن سعد فيما سبق بيانه في
    طبقة أتباع التابعين ([73]).

فكل
ما مر معنا من الأمثلة الثابتة يعكس مدى الاهتمام بتدوين ورواية السير والـمَغازي
والفتوح عند الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُم، وهم الذين يشكلون المصدر الأساسي،
للأخبار كونهم هم العنصر الذي عاش الحدث بنفسه وشارك فيه، إن من الغزوات أو
السرايا أو الفتوح، ومن لم يشارك في بعضها لتأخر إسلامه ربما، أو هجرته، أو لصغر
سنه، أو لعذر ما، فقد سمع تفاصيلها ممن شارك فيها، وأن ما تضمنته صحفهم وكتابتهم
لم يكن يقتصر على الحديث الشريف والسنن، وإنما شمل كل ما تضمنته حياة النبي صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أحاديث وأحداث، ووقائع، ومشاهد ومواقف، وغزوات
وسرايا وغيرها، وعلى أنه ولو لم تأت الأخبار منسقة، أو مجموعة، أو مصنفة، ومرتبة
بشكل ما فإنها تعتبر مصادر هامة وغنية في إطارها التي هي فيه، الأمر الذي أعطى
المجال الواسع للتابعين وتابعيهم الذين صنفوا فيها أن يكون لهم الدور الرائع في
تطوير هذا العلم وخدمته، وهو الذي تحول إلى شيء هام في حياة الأمة وتاريخها له
قواعده وضوابطه الدقيقة جداً، سنداً ومتناً، حاز اهتمام شتى أصناف أهل العلم من
المحدِّثين والمؤرِّخين، والفقهاء، وحتى اللغويين والأمراء، كل يستقي منها ما
يهمّه في ميدانه الذي يختص فيه، فكانت الأخبار والأحكام التي توسعت حتى شملت كل
الملل والنحل، وخلاف ذلك مما ذكرناه آنفاً، مما جعلها محل اهتمام عند الأئمة
المصنفين المتبحرين والمستقصين والجامعين لها، حيث جمعوها ووضعوا كل واحد منها في
محله من الحدث، فوصلت إلينا بشكل منسَّق منمَّق رائع. وفي النهاية يتبين لنا أن: “الدراسات
الأولى لحياة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سُمّيَت باسم
“الـمَغازي” وتعني لغوياً غزوات الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، وحروبه، ولكنها تناولت في الحقيقة فترة الرسالة بكاملها”
([74])
.  وما توفيقي إلا
بالله، وعلى الله قصد السبيل.


[1]) الآثار لأبي
يوسف، (المتوفى: 182هـ) دار الكتب العلمية – بيروت، ص 212.والشنقيطي،
كوثَر المَعَاني الدَّرَارِي، مؤسسة الرسالة – بيروت، 1: 460، وابن موسى، مشارق
الأنوار الوهاجة، دار المغني- السعودية، ط1، 1: 163، [2]) ابن سعد، الطبقات، 5: 187، وقد
عده من الطبقة الثانية من أهل المدينة من التابعين. [3]) ابن كثير،
البداية والنهاية، 9: 119، وانظر الذهبي، تاريخ، 6: 424، ت تدمري، دار الكتاب
العربي-بيروت. والصفدي، الوافي بالوفيات، 19: 361، ت: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى،
ن: دار إحياء التراث -بيروت، 1420هـ/ 2000م. [4]) سلوى الطاهر، عروة بن الزبير أول
سيرة في الإسلام، ص 33 [5]) ابن النديم، الفهرست، ص 123. ت: إبراهيم رمضان: ن: دار المعرفة
بيروت-لبنان: ط2، 1417 ه/1997م. [6]) الدوري، الجزيرة العربية في عصر
الخلفاء الراشدين، 1: 186 بتصرف. [7]) انظر ابن سعد،
الطبقات، 5: 119، والطبري، التاريخ، مثلاً: 3: 17، في الانصراف من خيبر، وغير ذلك
في 423، و4: 69، “تاريخ الرسل والملوك”، و”صلة تاريخ الطبري”
لعريب بن سعد القرطبي، المتوفى: 369هـ) الناشر: دار التراث – بيروت، الطبعة:
الثانية – 1387 هـ، والذهبي، سير الخلفاء، ص141.

[8]) تاريخ أبي زرعة، ص 188.[9]) ابن سعد، الطبقات، 5: 105، وفاروق
حمادة، المنهج الإسلامي للجرح والتعديل، ص 119. [10]) ابن سعد، الطبقات، 5: 210، وقال يحيى بن المغيرة بن عبد
الرحمن عن أبيه، أنه لم يكن عنده خط مكتوب من الحديث إلا “مغازي النبي صلى
الله عليه وسلم”، أخذها من أبان بن عثمان، فكان كثيرا ما تقرأ عليه وأمرنا
بتعلمها. ابن سعد 5: 156.

[11]) ابن سعد، الطبقات، 6: 247.[12]) الآثار لأبي
يوسف، ص 212، دار الكتب العلمية – بيروت،والشنقيطي، كوثَر المَعَاني
الدَّرَارِي، 1: 460، ن، مؤسسة الرسالة – بيروت، وابن موسى، مشارق الأنوار
الوهاجة، 1: 163، ن: دار المغني- السعودية، ط1، 1427هـ/2006م. (معاصر)

[13]) ابن حجر، التهذيب، 5: 7.

[14]) ابن سعد، الطبقات، 6: 250.[15]) دُرُوسَ الْعِلْمِ: أي أن يضيع
ويُمحى. انظر لسان العرب 6/ 79 [16]) ابن سعد، الطبقات، 2: 378،
والبخاري في صحيحه، 1: 36، باب كيف يقبض العلم، وفي لفظ المروزي في السنة، 31:
كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ «أَنِ انْظُرُوا
إِلَى مَا كَانَ مِنْ أَحَادِيثِ …) أضف الى ذلك ما كان له من مراسلات مع أهل
العلم ذكر أبو عبيد في الأموال الكثير منها. (انظر أبو عبيد، الأموال، ص 153،
و353، و355، و367، وغيرها). [17]) ابن سعد، الطبقات، القسم المتمم،
التابعين، 128-129، ونقله عنه ابن عساكر، تاريخ دمشق، 25: 277.

[18]) الذهبي، سير، 5: 241.[19]) ابن سعد، الطبقات، القسم المتمم،
التابعين، 128-129، بتصرف. [20]) مرويات الإمام الزهري، 1: 16،
بتصرف. [21]) أبو نعيم (ت
430ه/)، الحلية، دار الكتاب العربي-بيروت، 3: 361، وفتح المنان، ط دار البشائر، 3:
159، وأبي عيسى المدني الأصبهاني (ت 581ه/) اللطائف من دقائق المعارف، ط دار الكتب
العلمية-بيروت، ص 261، وابن كثير، البداية، ط التراث العربي، ط1 1988، 9: 377، عن
الإمام أحمد، والذهبي، تذكرة الحفاظ، ن، دار الكتب العلمية، ط1 1998، 1: 85. عن
عبد الرزاق. [22]) وكتاب مغازي النبي لسهيل زكار عن
دار الفكر بدمشق، سنة 1401/1981. (199 صفحة) قدم له بمقدمة فيها مناقضة للتاريخ
حيث تحامل على العصر الأمور ورماه بالتصدي ومنع كتابة السيرة النبوية في العصر
الأموي، وبحثنا هذا وما ذكر عن كتب هشام والوليد وغيره من بروز كل هؤلاء المؤلفين
كان في العصر الأموي، وهو يعتبر أكبر دليل على بطلان هذا الافتراء البغيض الذي
يتناقض مع أبسط السبل العلمية المنصفة. انظر الكتاب ص 24-26. وهو بهذا الادعاء
يوافق أو ينقل عن المستشرق اليهودي “جولد تسهير” الذي ولد في مدينة
أشتولفيسنبرغ في بلاد المجر 22/6/1850، وسعى جاهداً في كتاباته للطعن في مصادر
السنة المشرفة، وقد صور عصر بني أمية أنه عصر ظلم وجور، وأن الأتقياء من علماء
المدينة كانوا معهم في خصام وعداء مستمر. وقد حمل على الزهري بشدة. ترجم له الى
العربية الدكتور علي حسن عبدالقادر، وفضح تجنيه على السنة وطعنه فيها، وتعرف
الدكتور مصطفى السباعي على جولد تسهير من خلال خلال أستاذه علي عبدالقادر وقام
بالرد على شكوكه في الحديث والتجني على الإمام الزهري في كتاب ” السنة
ومكانتها في التشريع” دار الدراق، بيروت، ط1 2000 م، ص 211 وما بعدها، وكذلك
رد الشيخ محمد الغزالي على كتابه “العقيدة والشريعة في الإسلام” بكتابه
“دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين”. دار نهضة مصر، ط 7،
2005، ص 90 وما بعدها. وانظر جولدتسيهر، ترجمته، مؤلفاته، أهم الردود عليه الدكتور ماهر خميس. [23]) محمد العواجي، مرويات الإمام
الزهري في المغازي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، كلية أصول الدعوة، قسم
التاريخ، 1424ه ط1، 1425/2004. وهي قريبا من ألف صفحة. [24]) ابن سعد، الطبقات، 9: 284 عن
الواقدي.

[25]) الذهبي، سير، 6: 115.

[26]) الذهبي، سير، 6: 117.[27]) الذهبي، سير، 6: 114-115بتصرف، وتاريخ الإسلام، 2: 103. وقد قام الإمام قاضي شهبة (ت
789/1385م) بجمع شيء منها في كتاب سماه “أحاديث منتخبة من مغازي موسى بن
عقبة، مؤسسة الريان، ودار ابن حزم-بيروت 1412/1991، نشرها سخاو سنة 1904م، مع
ترجمتها ابلألمانية، وقام بالتعليق عليها، زانتقدها شاخت بعد خمسين سنة من نشرها
الأول، (انظر الكتاب نفسه، قدم له وعلق عليه مشهور حسن سليمان ص 33) وأما المصنف
باسم “إمام المغازي” لم يصل إلينا ولا يعرف عنه شيء سوى قطعة واحدة منه
تحتوي على حديث أو أكثر من كل جزء من أجزاء الكتب العشرة في المكتبة البروسية
الرسمية، نشرها إدوارد سخاو بنصها العربي مع ترجمة ألمانية عام 1904م، وهي عبارة
عن بعض الروايات المأخوذة عنه والمتعلقة بالمغازي والسيرة النبوية الشريفة، وهنالك
دراسة أخرى طبعت في إيران، باسم “مغازي موسى بن عقبة” المسمى
“المغازي النبوية، دراسة وتحقيق وجمع مرادي حسين مرادي نسب، قم-منشورات ذو
القربى، مطبعت شريعت، 1424ه، ودراسة أخرى في الجامعة الأردنية لنيل الماجستير، قام
بها وليد قيسية، ولكن لم يتنس لي الحصول أو الاطلاع عليها، كما إن هناك دراسة أخرى
في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، قام بها محمد باقشيش، كذلك لم يتسن لي
الإطلاع عليها.  [28]) ابن سيد
الناس (ت734ه/)، عيون الأثر، 1: 320، وذكر في آخر الكتاب سنده عن سماعه من مشايخه
2:
414. ن، دار القلم-بيروت، ط1،
1993/1414،

[29]) الذهبي، سير، 6: 116

[30]) الذهبي، سير، 6: 117

[31]) الذهبي، سير الأعلام، 4: 481

[32]) الذهبي، سير، 5: 100

[33]) الذهبي، سير، 6: 117

[34]) الذهبي، سير، 7: 6

[35]) الذهبي، سير، 7: 8

[36]) الذهبي، 7: 10[37]) الخطيب، الجامع لأخلاق الراوي، 4:
407 [38]) فهرسة ابن خير الإشبيلي (ت 575ه/)
ن، دار الكتب العلمية – بيروت، ط1، 1419/1998، ص 108. [39]) انظر السهيلي في الروض الأنف، وقد
ذكر شيئاً ربما انفرد معمر روايته وهو فيما يتعلق بحسر النبي صلى الله عليه وسلم،
وَهَذَا الْحَدِيثُ مَشْهُورٌ عِنْدَ النّاسِ ثَابِتٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ
غَيْرَ أَنّي لَمْ أَجِدْ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ كَمْ لَبِثَ – رَسُولُ
اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – بِذَلِكَ السّحْرِ حَتّى شُفِيَ مِنْهُ
ثُمّ وَقَعْت عَلَى الْبَيَانِ فِي جَامِعِ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ. رَوَى مَعْمَرٌ
عَنْ الزّهْرِيّ، قَالَ: سُحِرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ
سَنَةً يُخَيّلُ إلَيْهِ أَنّهُ يَفْعَلُ الْفِعْلَ وَهُوَ لَا يَفْعَلُهُ. وقال
ابن حجر: وَقَدْ وَجَدْنَاهُ مَوْصُولًا بِإِسْنَادِ الصَّحِيحِ فَهُوَ
الْمُعْتَمَدُ. السهيلي، الروض، 2: 369. وابن حجر، الفتح، دار المعرفة-بيروت، 1379
ه، 10: 226. [40]) مجلة البحوث الإسلامية، العدد 17،
من ذي الفعدة الى صفر، لسنة 1406-1407ه-الرئاسة العامة، الرياض.

[41]) ابن النديم، الفهرست، 123.[42]) ابن عبد البر، جامع بيان العلم
وفضله، 1: 331، والتفسير من سنن سعيد بن منصور، 6. [43]) قال الذهبي:
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الرَّامَهُرْمُزِيُّ: أَوَّلُ مَنْ صنَّفَ وَبَوَّبَ –
فِيْمَا أَعْلَمُ -: الرَّبِيْعُ بنُ صَبِيْحٍ بِالبَصْرَةِ، ثُمَّ ابْنُ أَبِي عَرُوْبَةَ.
قُلْتُ: تُوُفِّيَ غَازِياً بِأَرْضِ الهِنْدِ، وَلَهُ فِي (الجَعْدِيَّاتِ).
الذهبي، سير، 7: 289. والجعديات هي الأحاديث التي رواها الإمام الحسن علي بن الجعد
بن عبيد الجوهري البغدادي، المتوفى سنة (230ه) جمعها الحافظ أبي القاسم البغوي،
المتوفى سنة (317ه). [44]) ابن إسحاق: هو
أبو بكر محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي مولاهم المدني قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: كَانَ
ثِقَةً، وَمِنْهُم مَنْ يَتَكَلَّمُ فِيْهِ، وَكَانَ خَرَجَ مِنَ المَدِيْنَةِ
قَدِيْماً، فَأَتَى الجَزِيْرَةَ، وَالكُوْفَةَ، وَالرَّيَّ، وَبَغْدَادَ، فَأَقَامَ
بِهَا حَتَّى مَاتَ فِي سَنَةِ 151. والمعتمد أنه صدوق يدلس، وإذا صرح بالتحديث
فهو حسن الحديث. قال الامام الشافعي رحمه الله: من أراد أن يتبحر في الـمَغازي فهو
عيال على ابن إسحاق، وقد اعتمد عليه في هذا الباب أئمة لا يحصون. الذهبي، سير، 7:
47، الشامي، سبل الهدى، 4: 8-12. بتصرف. [45]) المحدِّث الفاصل
للرَّامَهُرْمُزِي (ت 360ه)، ص 611 – 618، والسيوطي، (911ه) تدريب الراوي، 1: 89،
بتصرف، ن دار طيبة،  قال الحافظان: العراقي
وابن حجر: (وكان هؤلاء في عصر واحد، فلا ندري أيُّهم أسبق (تدريب الراوي، نفسه، انظر
سعيد آل حميد، التفسير من سعيد بن منصور، المقدمة 9. وكل ما بين الحاصرتين من زيادته. وليس من الذهبي. وقد أضفت تواريخ الوفاة مقترنة مع الميلادي.   [46]) مقصود الذهبي هنا بقوله:
“شرع” و “كثر التدوين” إنما هو التصنيف والتأليف الجامع
للروايات، وهو ما عبر عنه هنا بقوله “صنف” وإلا فالشروع في التدوين بدأ
في حياة الصحابة مباشرة كما هو مبين في رسالتنا هذه، والتدوين الرسمي كان على رأس
العام المائة الهجري عندما طلب الخليفة الخامس عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه جمع
السنن وتدوينها”. [47]) الذهبي، تاريخ الإسلام، 9: 14،
وانظر ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة، 1: 351، ووصف ابن حجر في مقدمة الفتح، ص
6-7، وقال كلاماً حسناً في هذا الباب: كان من جملته: “…فقل إمام إلا وصنف
حديثه على المسانيد”. [48]) ابن حجر، الفتح، 1: 208. يقول
عبدالناصر: إن مسألة الأوليات مختلف عليها عند أهل العلم، وأصوب شيء فيها أن تكون
الأولية للمذكور في بلده، أو في الفن المنسوب إليه، كما اصطلح عليه بعض أهل العلم
ومنهم ابن حجر. والله أعلم. [49]) ابن النديم،
الفهرست، 3: 114. [50]) د. أكرم
العمري، السيرة الصحيحة، 1: 64-65. وانظر الزهراني، مصادر السيرة النبوية-الرقمية،
ص17. [51]) د. أكرم العمري،
السيرة النبوية الصحيحة، 1: 66. وانظر الزهراني، مصادر السيرة النبوية-الرقمية،
ص22. (راجع كتاب العمري مباشرة لضبط النقل للأسماء والإسهامات-مهم). [52]) ابن سعد،
الطبقات، المجلد الثاني، تهذيب التهذيب 9/182. 3 تاريخ بغداد 5/321. [53]) العمري،
السيرة النبوية الصحيحة، 1: 66.

[54]) الدوري، تاريخ التدوين عند العرب، ص 186.

[55]) ابن سعد، الطبقات، 5: 425.

[56]) الدبري، التاريخ، 8: 313.

[57]) الخطيب، تاريخ بغداد، 12: 199.[58]) الشامي، سبل الهدى والرشاد، 4:
8-12. [59]) ياقوت، معجم الأدباء، 9: 225،
وابن النديم، الفهرست، ص 122. [60]) الدوري، الجزيرة العربية في عصر
الخلفاء الراشدين، ص 186-187 بتصرف. [61]) العمري، بحوث في السنة المشرفة، ص
418. [62]) ابن عساكر، تاريخ دمشق، 9: 377،
والطبراني في المعجم الكبير، 1: 246، والهيثمي، مجمع الزوائد، 1: 153، وذكره ابن
حجر في الفتح، 13: 321، بألفاظ مختلفة. [63]) العمري، بحوث في السنة المشرفة، ص
47-53، بتصرف، وقول ابن سيرين رواه مسلم، الصحيح، 1: 15، ورواه عن ابن المبارك
الخطيب، تاريخ بغداد، 6: 166، وابن عساكر، تاريخ دمشق، 58: 204، ولعل ابن المبارك أخذه عن ابن
سيرين. [64]) الدوري، بحث في نشأة علم التاريخ،
ص 24 بتصرف. [65]) الخطيب، الكفاية، ص 283، والعمري،
بحوث في السنة المطهرة، ص 52، بتصرف. [66]) العمري،
السيرة النبوية الصحيحة، 1: 41-42، مختصراً. ن: مكتبة العلوم والحكم،
المدينة المنورة، ط6، 1415هـ /1994م.

[67]) العمري، نفسه، 1: 44، مختصراً.

[68]) العمري، نفسه، 1: 44، بتصرف.[69]) العمري، دراسات تاريخية، 1: 20،
وانظر ص 26 أيضاً. [70]) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 13:
347. ن: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف
الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، عام النشر: 1416هـ/1995م [71]) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، مجمع
الملك فهد، 13: 347. [72]) السبكي، السيف المسلول على من سب
الرسول، 352.
وص 146،
في نسخة دار الكتب العلمية، بيروت، 1971م، ت: الشيخ أحمد فريد المزيدي. [73]) انظر حكم المطيري، ملخص مبحث محكم
“المغازي والسير علماؤها وطبقاتهم، بتصرف.

 www.dr-hakem.com/Portals/Content/?info…jsp (1.12.2018)[74]) الدوري، نشأة
علم التاريخ، ص 20، وانظر The Encyclopedia of Islam, new ed. Vlm
p11161

Add a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *